أبي بكر الكاشاني
290
بدائع الصنائع
سلم بعض المبيع قبل استيفاء الثمن كان له حق حبس الباقي ليستوفى الثمن كذا هذا وكان أبو القاسم الصفار يفتى في منعها نفسها بقول أبى يوسف ومحمد وفى السفر بقول أبي حنيفة وبعد ايفاء المهر كان له أن ينقلها حيث شاء وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني عن محمد بن سلمة أنه كان يفتى أن بعد تسليم المهر ليس لزوجها أن يسافر بها قال أبو يوسف ولو وجدت المرأة المهر زيوفا أو ستوقا فردت أو كان المقبوض عرضا اشترته من الزوج بالمهر فاستحق بعد القبض وقد كان دخل بها فليس لها أن تمنع نفسها في جميع ذلك وهذا على أصلهما مستقيم لان من أصلهما أن التسليم من غير قبض المهر يبطل حق المنع وهذا تسليم من غير قبض لان ذلك القبض بالرد والاستحقاق انتقض والتحق بالعدم فصار كأنها لم تقبضه وقبل القبض الجواب هكذا عندهما وأما عند أبي حنيفة فينبغي أن يكون لها أن تمنع نفسها ثم فرق أبو يوسف بين هذا وبين المنع أنه إذا استحق الثمن من يد البائع أو وجده زيوفا أو ستوقا فرده له أن يسترد المبيع فيحبسه لان البائع بعد لاسترداد يمكنه الحبس على الوجه الذي كان قبل ذلك وأما ههنا لا يمكنه لأنه استوفى بعض منافع البضع فلا يكون هذا الحبس مثل الأول فلا يعود حقها في الحبس ومما يلتحق بهذا الفصل أن للمرأة أن تهب مهرها للزوج دخل بها أو لم يدخل لقوله عز وجل فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وليس لأحد من أوليائها الاعتراض عليها سواء كان أبا أو غيره لأنها وهبت خالص ملكها وليس لأحد في عين المهر حق فيجوز ويلزم بخلاف ما إذا زوجت نفسها وقصرت عن مهر مثلها أن للأولياء حق الاعتراض في قول أبي حنيفة لان الامهار حق الأولياء فقد تصرفت في خالص حقهم ولأنها ألحقت الضرر بالأولياء بالحاق العار والشنار بهم فلهم دفع هذا الضرر بالاعتراض والفسخ وليس للأب ان يهب مهر ابنته عند عامة العلماء وقال بعضهم له ذلك وتمسكوا بقوله تعالى أو يعفوالذي بيده عقدة النكاح والأب بيده عقدة النكاح ولنا أن المهر ملك المرأة وحقها لأنه بدل بضعها وبضعها حقها وملكها والدليل عليه قوله عز وجل وآتوا النساء صدقاتهن نحلة أضاف المهر إليها فدل أن المهر حقها وملكها وقوله عز وجل فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وقوله تعالى منه أي من الصداق لأنه هو المكنى السابق أباح للأزواج التناول من مهور النساء إذا طابت أنفسهن بذلك ولذا علق سبحانه وتعالى الإباحة بطيب أنفسهن فدل ذلك كله على أن مهرها ملكها وحقها وليس لأحد أن يهب ملك الانسان بغير اذنه ولهذا لا يملك الولي هبة غيره من أموالها فكذا المهر وأما الآية الشريفة فقد قيل أن المراد من الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج كذا روى عن علي رضي الله عنه وهو احدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما ويجوز أن يحمل قول من صرف التأويل إلى الولي على بيان نزول الآية على ما قيل أن حين النزول كان المهور للأولياء ودليله قول شعيب لموسى عليهما الصلاة والسلام انى أريد أن أنكحك احدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج شرط المهر لنفسه لا لابنته ثم نسخ بما تلونا من الآيات وللمولى أن يهب صداق أمته ومدبرته وأم ولده من زوجها لان المهر ملكه وليس له أن يهب مهر مكاتبته ولو وهب لا يبرأ الزوج ولا يدفعه إلى المولى لان مهر المكاتبة لها لا للمولى لأنه من اكسابها وكسب المكاتب له لا لمولاه وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها والحط عنه إذا رضيت به لقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة رفع الجناح فيما تراضيا به الزوجان بعد الفريضة وهو التسمية وذلك هو الزيادة في المهر والحط عنه وأحق ما تصرف إليه الآية الزيادة لأنه ذكر لفظة التراضي وأنه يكون بين اثنين ورضا المرأة كان في الحط ولان الزيادة تلحق العقد ويصير كأن العقد ورد على الأصل والزيادة جميعا كالخيار في باب البيع والأجل فيه فان من اشترى من آخر عبدا بيعا باتا ثم إن أحدهما جعل لصاحبه الخيار يوما جاز ذلك حتى لو نقض البيع جاز نقضه ويصير ذلك كالخيار المشروط في أصل البيع وكذا إذا اشترى عبدا بألف درهم حالة ثم إن البائع أجل المشترى في الثمن شهرا جاز التأجيل ويصير كأنه كان مسمى في العقد كذا ههنا ولا يثبت خيار الرؤية في المهر حتى لو تزوج امرأة على عبد بعينه أو جارية بعينها ولم تره ثم رأته ليس لها أن ترده بخيار الرؤية لان النكاح لا ينفسخ برده فلو ردت لرجعت عليه بعبد آخر وثبت لها فيه خيار الرؤية فترده ثم ترجع عليه بآخر